أحمد بن محمود السيواسي

28

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

[ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 75 ] إِذاً لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً ( 75 ) ( إِذاً ) أي لو ركنت إليهم ( لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ ) أي ضعف عذاب الحياة الدنيا ( وَضِعْفَ الْمَماتِ ) أي وضعف عذاب الممات من عذاب القبر وعذاب النار بتقدير المضاف فيهما ، وقيل : يستعمل ال « ضعف » بمعنى العذاب « 1 » ، والمعنى : لضعفنا لك العذاب في الدنيا والآخرة ( ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً ) [ 75 ] أي مانعا يمنع عذابنا عنك ، روي أن النبي عليه السّلام كان يقول بعد نزوله : « اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين » « 2 » . [ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 76 ] وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْها وَإِذاً لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاَّ قَلِيلاً ( 76 ) ( وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ ) أي ليزعجونك ( مِنَ الْأَرْضِ ) الآية مدنية إن كان المراد من ضمير « كادُوا » اليهود لما روي : « أن النبي عليه السّلام لما قدم المدينة كره اليهود إقامته بها حسدا ، فقالوا : يا أبا القاسم لقد علمت ما هذه بدار الأنبياء ، وإن أرض الأنبياء هي أرض الشام ، لأن فيها الأرض المقدسة ، وبها كان إبراهيم والأنبياء عليهم السّلام ، فان كنت نبيا مثلهم فأت الشام » « 3 » ، وقيل : مكية إن كان المراد منه المشركين ، لأنهم قصدوا أن يخرجوه من مكة ، فكفهم اللّه منه حتى أمره بالهجرة فخرج بنفسه ، وهذا أصح ، لأن ما قبله خبر عن أهل مكة ، والسورة مكية « 4 » ، وقيل : هم الكفار كلهم لأنهم أرادوا أن يخرجوه من أرض العرب باجتماعهم ، وتظاهرهم عليه فمنع اللّه عن رسوله عليه السّلام ، ولم ينالوا منه ما أرادوا « 5 » ، فأخبر تعالى عنهم فقال : وإن الكفار قد قاربوا ليزعجوك بسرعة من أرضهم ( لِيُخْرِجُوكَ مِنْها ) أي من الأرض ( وَإِذاً ) أي ولو أخرجوك منها ( لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ ) وقرئ « خلفك » « 6 » ، أي بعد خروجك ( إِلَّا قَلِيلًا ) [ 76 ] أي زمانا مقدار هلاكهم في أرضهم ، ولم يعمل « إذن » هنا النصب ، لأن واو العطف ألغتها عن العمل بجعل الجملة بعدها متصلة بما قبلها ، لأنها عطفت الفعل على الفعل الذي هو مرفوع لوقوعه خبر « كاد » ، والفعل في خبر « كاد » واقع موقع الاسم فكذا ما عطف عليه ، فلم تعمل « إذن » فيه فصار حشوا . [ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 77 ] سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنا وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلاً ( 77 ) قوله ( سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا ) منصوب بنزع الخافض كسنة أو بفعل مقدر ، أي سن اللّه سنة في الدنيا بعثناهم للرسالة ( قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنا ) إذا كذبتهم الأمم أن لا يعذبهم ما دام نبيهم بين أظهرهم ، فإذا خرج نبيهم من بينهم فيستأصلهم بالهلاك ( وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنا ) أي لعادتنا هذه ( تَحْوِيلًا ) [ 77 ] أي تغييرا . [ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 78 ] أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً ( 78 ) ثم أمر النبي عليه السّلام بأن يقيم الصلاة ليلا ونهارا متوكلا عليه في كل حال بقوله ( أَقِمِ الصَّلاةَ ) المفروضة ( لِدُلُوكِ الشَّمْسِ ) أي لزوالها أو لغروبها ، وأصل الدلوك الميل ، والشمس تميل إذا زالت وغربت ، والأكثر على معنى الزوال لتكون الآية جامعة لمواقيت الصلاة كلها ، لأنه إن أريد منه الغروب خرج عنها الظهر والعصر ، وإن أريد الزوال دخلا قوله ( إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ ) أي إلى ظهور ظلمته ، في محل النصب على الحال ، أي ممتدة إليه ، ويجوز أن يتعلق الجار ب « أَقِمِ » ، قيل : المراد من ذلك الظهر والعصر والمغرب والعشاء لتناول « 7 » الدلوك صلاة الظهر والعصر وتناول « غَسَقِ اللَّيْلِ » المغرب والعشاء « 8 » ( وَقُرْآنَ الْفَجْرِ ) أي وأقم صلاة الفجر ، فهو معطوف على « الصَّلاةَ » ، وسميت قرآنا لكونه جزء منها كما سميت ركوعا وسجودا وقنوتا ، ويجوز أن يكون إضافة

--> ( 1 ) أخذه المؤلف عن البغوي ، 3 / 513 . ( 2 ) روى أحمد بن حنبل نحوه ، 5 / 42 ؛ وانظر أيضا البغوي ، 3 / 513 . ( 3 ) عن الكلبي ، انظر البغوي ، 3 / 514 . ( 4 ) أخذه عن البغوي ، 3 / 514 . ( 5 ) نقله المفسر عن البغوي ، 3 / 514 . ( 6 ) « خلافك » : قرأ المدنيان والمكي والبصري وشعبة بفتح الخاء وإسكان اللام من غير ألف ، والباقون بكسر الخاء وفتح اللام وألف بعدها . البدور الزاهرة ، 188 . ( 7 ) لتناول ، ب : ليتناول ، س م . ( 8 ) أخذه عن البغوي ، 3 / 515 .